أحمد زكي صفوت
17
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
12 - خطبته وقد أرتج عليه وخطب داود بن علىّ ، فحمد اللّه جل وعز ، وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما قال : أما بعد ، امتنع عليه الكلام ، ثم قال : « أما بعد ، فقد يجد المعسر ، ويعسر الموسر ، ويفلّ الحديد ، ويقطع الكليل ، وإنما الكلام بعد الإفحام ، كالإشراق بعد الإظلام ، وقد يعزب البيان ، ويعقم الصواب ، وإنما اللسان ، مضغة من الإنسان ، يفتر بفتوره إذا نكل ، ويثوب . بانبساطه إذا ارتجل ؛ ألا وإننا لا ننطق بطرا ، ولا نسكت حصرا ، بل نسكت معتبرين ، وننطق مرشدين ، ونحن بعد أمراء القول ، فينا وشجت « 1 » أعراقه ، وعلينا عطفت أغصانه ولنا تهدّلت ثمرته ، فنتخيّر منه ما احلولى وعذب ، ونطّرح منه ما املولح وخبث ، ومن بعد مقامنا هذا مقام ، وبعد أيامنا أيام ، يعرف فيها فضل البيان ، وفصل الخطاب واللّه أفضل مستعان » ثم نزل « 2 » . ( كتاب الصناعتين ص 21 ، وأمالي السيد المرتضى 4 : 19 ، وزهر الآداب 2 : 285 )
--> بعض هذه الخطبة وعزاها إلى أبى جعفر المنصور ، فقال : « خطب المنصور حين خروجه إلى الشأم فقال : شنشنة أعرفها من أخزم * من يلق أبطال الرّجال يكلم مهلا مهلا روايا الإرجاف ، وكهوف النفاق . . . . إلى آخر الخطبة » ، راجع العقد الفريد 2 : 145 - والشنشنة : الطبيعة والعادة ، وهو مثل لأبى أخزم الطائي ، وكان له ابن يقال له أخزم ، وكان عاقا ، فمات وترك بنين ، فوثبوا يوما على جدهم أبى أحزم فأدموه فقال : إن بنى ضرجونى بالدم * شنشنة أعرفها من أخزم أي إن هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق : يضرب في قرب الشبه ، ويكلم : يجرح . ( 1 ) وشجت العروق والأغصان كوعد وشجا ووشيجا : اشتبكت ، والواشجة : الرحم المشتبكة . ( 2 ) وروى الحصري في زهر الآداب بعض هذا القول وعزاه إلى عبد الملك بن صاخ ، وروى السيد المرتضى في أماليه قال : « صعد أبو العباس السفاح المنبر ، فأرتج عليه فقال : « أيها الناس ، إن اللسان ، بضعة ( 2 - جمهرة خطب العرب - ثالث )